السيد محمد تقي المدرسي
338
المنطق الإسلامي (أصوله ومناهجه)
لها ، ونطور أفكارنا وفق طبيعة الحقيقة التي نحاول فهمها . ولأن حقائق الحياة هي مزيجة من التركيب والتحليل ، بمعنى أنها في ذات الوقت التي هي واحدة ، من ناحية التركيب ، فإنها أيضا متنوعة ، بسبب أنها مختلفة ، بعض أجزائها عن بعض ، ( للجزئيات التي تشترك في تكوين الحقيقة ) ولأن الحقائق التي نريد كشفها من الحياة كذلك ، فإن البحث عنها ، يجب ان يراعى فيه أيضا هذا المزيج من التركيب والتحليل . أما لو طغى التحليل أو التركيب ، على البحث ، فإنه سيكون بحثا غير سليم ، ويورط صاحبه في أخطاء . ذلك لأن الحياة ليست بحيث نستطيع تركيز الانتباه - بشدة بالغة - إلى جزئياتها ، دون أن نولي أي اهتمام إلى طبيعة التركيب فيها ، ومعرفة ان كل شيء فيها إنما يعيش في جو معين يؤثر فيه كما يتأثر به . وليست الحياة - من جهة ثانية - كتلة واحدة ، ذات صبغة واحدة ، دون ان يكون لأجزائها أي سمة خاصة وأي تأثير منفرد . ولأن طائفة من الباحثين ركزوا انتباههم إلى جانب التجزؤ من الحياة أهملوا سمات كثيرة ليست هي الا نتيجة التركيب . ولأن طائفة أخرى عكسوا ، فإنهم نسوا أي دور للجزئيات ، وأصدروا ( أحكاما كلية كاسحة ) . وكلاهما أخطأ ، والذي أصاب : هو الذي راعى القصد بين التركيب والتحليل ، ولم يمل نفسيا إلى أي جانب ، على حساب الجانب الثاني . يقول الدكتور قاسم : ( فإن الغلو في التحليل ينتهي بالمرء إلى نسيان . إن الظواهر الطبيعية ، ليست من البساطة إلى الحد الذي يتصوره ، ولأن الغلو في التركيب ، يؤدي إلى وضع فروض سريعة تقدم على أساس الملاحظات الخاطئة ، والآراء الوهمية ) « 1 » . وفي ما يلي نعرض مثالا على هذه التجزئة يذكره جون ديوي بقوله : وإنه لجدير بالذكر ان الاستطراد في النزعة نحو التجزئة ، التي كان ينزعها ( المذهب التجريبي ) التقليدي قد أدى - عند تطبيق تلك النزعة نحو التجزئة على المجال الاجتماعي - إلى فردية ذرية فككت كل الروابط الداخلية التي تربط الأفراد في
--> ( 1 ) - المنطق الحديث ومناهج البحث ، ص 274 .